الآلوسي
94
تفسير الآلوسي
أو سلام عليكم ، والابتداء بنكرة مثله سائغ كما قرر في النحو ، وقد حياهم عليه السلام بأحن من تحيتهم لأنها بجملة اسمية دالة على الدوام والثبات فهي أبلغ ، وأصل معنى السلام السلامة مما يضر . وقرأ حمزة . والكسائي سلم في الثاني بدون ألف مع كسر السين وسكون اللام وهو على ما قيل : لغة في * ( سلام ) * كحرم . وحرام ، ومنه قوله : مررنا فقلنا : أيه ( سلم ) فسلمت * كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح وقال ابن عطية : ويحتمل أن يراد بالسلم ضد الحرب ، ووجه بأنهم لما امتنعوا طعامه وخاف منهم قاله أي أنا مسالم لا محارب لأنهم كانوا لا يأكلون طعام من بينهم وبينه حرب ، واعترض بأنه يدل على أن قوله هذا بعد تقديم الطعام . وقوله سبحانه : * ( فما لبث ) * الخ صريح في خلافه ، وذكر في " الكشاف " أن حمزة . والكسائي قرءا بكسر السين وسكون اللام في الموضعين وهو مخالف للمنقول في كتب القراءات ، وقرأ ابن أبي عبلة - قال سلاماً - بالنصب كالأول ، وعنه أنه قرأ بالرفع فيهما * ( فَمَا لَبثَ ) * أي فما أبطأ إبراهيم عليه السلام . * ( أن جَاءَ بعجْل حَنيذ ) * أي في مجيئه به أو عن مجيئه به * ( فما ) * نافية ، وضمير * ( لبث ) * لإبراهيم ، و * ( أن جاء ) * بتقدير حرف جر متعلق بالفعل وحذف الجار قبل أن وأن مطرد ، وحكى ابن العربي أن * ( أن ) * بمعنى حتى ، وقيل : * ( أن ) * وما بعدها فاعل * ( لبث ) * أي فما تأخر مجيئه ، وروي ذلك عن الفراء ، واختاره أبو حيان . وقيل : ما مصدرية والمصدر مبتدأ أو هي اسم موصول بمعنى الذي كذلك ، و * ( أن جاء ) * على حذف مضاف أي قدر وهو الخبر أي فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه وليس بشيء ، والعجل ولد البقرة ، ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة ، والباء فيه للتعدية أو الملابسة ، والحنيذ السمين الذي يقطر ودكه من حنذت الفرس إذا عرقته بالجلال كأنه ودكه كالجلال عليه ، أو كأن ما يسيل منه عرق الدابة المجللة للعرق ، واقتصر السدي على السمين في تفسيره لقوله تعالى : * ( بعجل سمين ) * ، وقيل : هو المشوي بالرضف في أخدود ، وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس . ومجاهد . وقتادة ، وفي رواية عن مجاهد تفسيره بالمطبوخ ، وإنما جاء عليه السلام بالعجل لأن ماله كان البقر وهو أطيب ما فيها ، وكان من دأبه عليه السلام إكرام الضيف ، ولذا عجل القرى ، وذلك من أدب الضيافة لما فيه من الاعتناء بشأن الضيف ، وفي مجيئه بالعجل كله مع أنهم بحسب الظاهر يكفيهم بعضهم دليل على أنه من الأدب أن يحضر للضيف أكثر مما يأكل ، واختلف في هذا العجل هل كان مهيئاً قبل مجيئهم أو أنه هيىء بعد أن جاؤوا ؟ قولان اختار أبو حيان أولهما لدلالة السرعة بالإتيان به على ذلك ، ويختار الفقير ثانيهما لأنه أزيد في العناية وأبلغ في الإكرام ، وليست السرعة نصاً في الأول كما لا يخفى . * ( فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ) * * ( فَلَمَّا رَءَآ أَيْديَهُمْ لاَ تَصلُ إلَيْه ) * كناية عن أنهم لا يمدون إليه أيديهم ويلزمه أنهم لا يأكلون ، وقيل : * ( لا ) * كناية بناءاً على ما روي أنهم كانوا ينكتون اللحم بقداح في أيديهم وليس بشيء ، وفي القلب من صحة هذه الرواية شيء إذ هذا النكت أشبه شيء بالعبث ، والملائكة عليهم السلام يجلون عن مثله ؛ و * ( رأى ) * قيل : علمية فجملة * ( لا تصل ) * مفعول ثان ، والظاهر أنها بصرية ، والجملة في موضع الحال ففيه دليل على أن من أدب الضيافة النظر إلى الضيف هل يأكل أولاً لكن ذكروا أنه ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر